محمد حسين هيكل

337

حياة محمد ( ص )

من العروض إلا لينتفع به فيما يصلح له ما لم يكن سفيها أو معتوها لا تلزمه تصرفاته . فأما رؤوس الأموال فأكثر ما تقترض في خير الوجوه للتجارة . والتجارة عرضة دائما للكسب والخسارة . أما إجارة العقار أو المنقول لاستغلاله فقلّ أن تتعرض للخسارة إلا في أحوال شاذة لا يوضع التشريع العادي لها . فإذا حدثت هذه الأحوال الشاذّة تدخّل المشروع بين الملاك والمستأجرين على نحو ما حدث في بلاد العالم كله غير مرّة لرفع الحيف عن المستأجر ، وإنقاذه من أن يأكل المالك ثمرة عمله . فأمّا تحديد فائدة النقد بسبعة أو تسعة في المائة أو بأكثر من ذلك أو أقل ، فلا يغيّر من أن المقترض معرّض لخسارة رأس المال نفسه فضلا عن تعرضه لخسارة عمله . فإذا طولب مع ذلك بالفائدة كان هذا هو الإثم ، وكان من أثر ذلك أن تقوم الشحناء بين الناس مقام الإخاء ، وأن تحلّ البغضاء بينهم محلّ المحبة ؛ وذلك مصدر الشقاء ، ومبعث ما تعانيه الإنسانية في عصرنا الحاضر من أزمات . وإذا كان هذا شأن الربا في أقل صوره ضررا ، وكانت هذه بعض النتائج التي تترتب عليه ، فكيف به في صوره الآخرى حين يكون المقرض أدنى إلى الوحش المفترس منه إلى الإنسان ، أو حين يكون المقترض في حاجة إلى المال لسبب غير التثمير ؟ ! فقد يكون في حاجة إلى المال لإقامة أوده ولإنفاقه في قوته وفي قوت عياله . حينذاك يكون إنظاره إلى ميسرة ، حتى يتهيأ له عمل يطمئن به إلى العيش ويستطيع أن يردّ منه ديونه ، وبعض ما توجبه الإنسانية في أولى مراتبها ، وذلك ما يفرضه القرآن الكريم . أليس الإقراض بالربا في مثل هذه الأحوال عملا وحشيّا ، وجريمة كجريمة القتل سواء ؟ ! وأشنع من هذه الجريمة التحايل من طريق الربا على سلب ثروات الضعفاء الذين لا يحسنون القيام على أموالهم . هذا التحايل لا يقل إثما عن السرقة الدنيئة ، ويجب أن يعاقب من يقدم عليه عقاب السارق أو أشدّ منه . الربا والاستعمار والربا هو بعض ما جرّ على العالم مصائب الاستعمار ، وما أدّى الاستعمار إليه من شقاء . فالاستعمار يبدأ أكثر أمره بطائفة من المرابين أفرادا أو شركات ينزلون بلدا من البلاد يقرضون أهله أموالهم ، ثم يتغلغلون حتى يصلوا إلى وضع أيديهم على منابع الثروة فيه فإذا أفاق أهله وأرادوا الذود عن أنفسهم وأموالهم ، استعدى هؤلاء الأجانب عليهم دولهم ، فدخلت باسم حماية رعاياها ، ثم تغلغلت هي كذلك ، ثم وضعت يدها مستعمرة ، وفرضت إرادتها حاكمة ، وحرمت الناس حرّيتهم ، واستولت على الكثير مما رزقهم اللّه في بلادهم . لذلك تضيع سعادتهم ، ويخيم الشقاء على ربوعهم ، ويمدّ البؤس يده إلى قلوبهم ، ويرين الضلال على عقولهم ، فتضعف أخلاقهم ، ويتضعضع إيمانهم ، وينزلون عن مرتبة الإنسانية الصحيحة إلى مكان من الضعة لا يرضاه لنفسه من يؤمن باللّه ، وبأن اللّه وحده هو الذي تجب له العبادة . والاستعمار مصدر الحروب ، ومصدر الشقاء الذي ينيخ بكلكله على الإنسانية كلها في هذا العصر الحاضر . وما دام الربا ، وما دام الاستعمار ، فلا أمل في العود إلى عهد إخاء ومحبة بين الناس ؛ ولا أمل في العود إلى مثل هذا العهد إلا أن تقوم الحضارة على الأساس الذي جاء به الإسلام ، ونزل به الوحي في القرآن . الاشتراكية الإسلامية وفي القرآن اشتراكية لم تبحث بعد . وهي اشتراكية لا تقوم على أساس من حرب رأس المال ونضال الطوائف ، شأن الاشتراكية اليوم في الحضارة الغربية ، وإنما تقوم على أساس خلقي سام يكفل إخاء الطوائف وتكافلها وتعاونها على البرّ والتقوى لا على الإثم والعدوان . ومن اليسير أن يرى الإنسان قيام هذه الاشتراكية